* تفسير تفسير القرآن العظيم/ ابن كثير (ت 774 هـ) مصنف و مدقق

{ وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً } * { قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً }

هذا خبر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم، منذ أرقدهم، إلى أن بعثهم الله وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان، وأنه كان مقداره ثلثمائة سنة تزيد تسع سنين بالهلالية، وهي ثلثمائة سنة بالشمسية، فإن تفاوت ما بين كل مائة سنة بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين، فلهذا قال بعد الثلثمائة { وازدادوا تسعاً }. وقوله { قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ } أي إذا سئلت عن لبثهم، وليس عندك علم في ذلك، وتوقيف من الله تعالى، فلا تتقدم فيه بشيء، بل قل في مثل هذا { ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } أي لا يعلم ذلك إلا هو، ومن أطلعه عليه من خلقه، وهذا الذي قلناه عليه غير واحد من علماء التفسير كمجاهد وغير واحد من السلف والخلف. وقال قتادة في قوله { وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ } الآية، هذا قول أهل الكتاب، وقد ردّه الله تعالى بقوله { قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ } قال وفي قراءة عبد الله وقالوا ولبثوا، يعني أنه قاله الناس، وهكذا قال قتادة ومطرف ابن عبد الله، وفي هذا الذي زعمه قتادة نظر، فإن الذي بأيدي أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلثمائة سنة، من غير تسع، يعنون بالشمسية، ولو كان الله قد حكى قولهم، لما قال وازدادوا تسعاً، والظاهر من الآية إنما هو إخبار من الله، لا حكاية عنهم، وهذا اختيار ابن جرير رحمه الله، ورواية قتادة قراءة ابن مسعود منقطعة، ثم هي شاذة بالنسبة إلى قراءة الجمهور، فلا يحتج بها، والله أعلم. وقوله { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } أي إنه لبصير بهم، سميع لهم، قال ابن جرير وذلك في معنى المبالغة في المدح، كأنه قيل ما أبصره وأسمعه، وتأويل الكلام ما أبصر الله لكل موجود وأسمعه لكل مسموع لا يخفى عليه من ذلك شيء. ثم روي عن قتادة في قوله { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } فلا أحد أبصر من الله، ولا أسمع. وقال ابن زيد { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } يرى أعمالهم، ويسمع ذلك منهم سميعاً بصيراً. وقوله { مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا } أي إنه تعالى هو الذي له الخلق والأمر، الذي لا معقب لحكمه، وليس له وزير ولا نصير، ولا شريك ولا مشير، تعالى وتقدس.